الحكم الذي يتناول الوصول إلى المواد الأرشيفية لا يزال ضئيلاً ومحدودا. معظم مستخدمي الأرشيفات لا يتوجّهون إلى الإجراء قانونيّ عندما يتمّ رفض طلب الراغبين في تصفّح المواد الأرشيفية، سواء كان السبب نقص في الموارد، أو عدم الرغبة في التورّط مع المؤسسات التي ترتبط بها لأداء عملها، أو التواصل الروتينيّ للإجراءات القانونية مقارنة مع الحاجة الفورية أكثر للمواد. لكن العديد من الالتماسات التي قدمت إلى محكمة العدل العليا في السنوات الأخيرة – وخاصة قضيتا غورنبرغ ويديعوت احرونوت – كانت القوة التي أجرت تحديثات مهمّة في لوائح التصفح في عام 2010.

ومن المثير للاهتمام أنه في كل حالة من هذه الحالات كانت الملتمسون صحفيين يعملون في ضوء الروح المهنية لحرية المعلومات وأهمية حرية التعبير، وما لا يقلّ أهميّة عن ذلك أنّهم يتمتّعون أيضا بتمثيل قانونيّ سليم، والذي عادة ما تمّ تمويله على أيدي أصحاب العمل أو المنظمات الفاعلة من أجل تعزيز حقوق الإنسان.

التماس (جورنبيرغ)

ملف محكمة العدل العليا 2467/05 – جيرشوم جورنبيرغ وآخرين ضد المسؤول عن أرشيف جيش الدفاع الإسرائيلي وأجهزة الأمن وآخرين

في عام 2005 قدّم الصحفي (جيرشوم جورنبيرغ) مع جمعية حقوق المواطن في إسرائيل التماسًا إلى محكمة العدل العليا طالبوا من خلاله برفع السرية عن موادّ أرشيفية مقيّدة تتعلّق ببحث كان يجريه جورنبيرغ، وتعديل الأنظمة الخاصة بالحد من حرية التعبير وحرية البحث في الأرشيف، والسماح لكل إنسان بالنظر في مواد أرشيفية لا تشكل مطالعتها خطرًا شبه مؤكّد ينطوي على المساس بأمن الدولة، وعرض الكتالوج الكامل للمواد المحفوظة في أرشيف جيش الدفاع والأجهزة الأمنية ونشر أنظمة الأرشيف بخصوص معايير الكشف عن مواد أرشيفية، والموافقة على  المطالبة بالاطّلاع على مواد الأرشيف.

بعد تقديم الالتماس بشهرين تقريبا نشر أمر وزارة الدفاع 59.140 الذي حدّد نظام منح صفة (الباحث المعتمد) في الأرشيف وكيفية معالجة طلب اطّلاعه على المواد، ومع استمرار جلسات المحكمة وبموازاة إعادة صياغة أنظمة الاطّلاع (التي صدرت في نهاية الأمر عام 2010) تم تعديل الأمر بحيث أوضح أن اعتبارات الكشف عن المواد يجب أن تقوم على فحوى الطلب لا على هوية الطالب كما وألغيت صفة (الباحث المعتمد).

أدى هذا الالتماس إلى حدوث تغييرات أخرى في أرشيف جيش الدفاع وأجهزة الأمن ومنها يمكن الإشارة إلى الدمج بين أوامر مختلفة في الأرشيف ووضع (وثيقة معايير) علنية وملزمة حول القرار برفع السرية، وشطب أحكام تتعلّق بإبقاء وثائق طي السرية لاعتبارات المساس بصورة الدولة وشخصياتها وتفادي خلافات سياسية، وإعداد قائمة بملفات موجودة في الأرشيف يمكن للجمهور الاطّلاع عليها.

أدّت التطورات المشار إليها أعلاه إضافة إلى الكشف عن بعض المواد التي كان جورنبيرغ بحاجة إليها في بحثه إلى البت باستيفاء الالتماس وردّه مع إلزام الدولة بالمصاريف. وتذكر المحكمة في حيثيات قرارها غير مرّة وعود المدّعى عليهم في الالتماس باستكمال كتالوج المواد التي يحتوي عليها أرشيف جيش الدفاع وتوفير الكتالوجات لاستخدام الجمهور، وتعرب عن أملها في تغيير نهج المدعى عليهم بحيث يختصرون المدد الزمنية لمراحل الكشف عن المواد.

التماس "يديعوت احرونوت"

ملف محكمة العدل العليا 4081/07 – يديعوت احرونوت م.ض وآخرين ضد ديوان رئاسة الوزراء – أرشيف الدولة وآخرين

بموازاة جلسات التقاضي المطوّلة التي عقدتها محكمة العدل العليا للنظر في ملف جورنبيرغ، قدم في أيار 2007 الصحفي (رونين بيرغمان) مع صحيفته (يديعوت احرونوت) التماسًا إلى المحكمة ذاتها مطالبين بإخضاع أرشيفات جهاز الأمن العام والموساد (للاستخبارات والمهام الخاصة) ولجنة الطاقة الذرية لقانون الأرشيفات علمًا بأنّها كانت تعمل مستقلة عن أرشيف الدولة خلافًا للقانون. وادعى الملتمسون الذين انضم إليهم الصحفي (يوسي ملمان) وصحيفته (هآريتس) بأن أرشيفات الأجهزة الأمنية تخالف القانون لأنها غير مفتوحة أمام الجمهور للاطّلاع على ما تحوزه من مواد وأن فترة التقييد المفروضة عليها (واستمرت في حينه خمسين عامًا) قد ولّت. وخلال نظر المحكمة في الالتماس أعلن مدير أرشيف الدولة رسميًا عن إخضاع أرشيفات الأجهزة الأمنية لأرشيف الدولة، فتم شطب الالتماس بدون صدور قرار حكم.

وقد لعب هذا الالتماس دورًا في تحرّكس أهم في تعديل أنظمة الاطّلاع عام 2010 لتصبح صياغتها على ما هي عليه حاليًا، في هذه الفترة الزمنية كانت أرشيفات أجهزة الاستخبارات في حالة من الإخلال بواجبها رفع السرية عن المواد الأرشيفية التي مضى على إنتاجها أكثر من خمسين عامًا.نصّت الأنظمة الجديدة على تمديد فترة التقييد المفروضة على مواد هذه المؤسسات إلى سبعين عامًا مع التأكيد على واجبها بلورة نظام بخصوص رفع السرية عن مواد عمرها خمسين سنة فأكثر.

محكمة العدل العليا دير ياسين

التماس إلى محكمة العدل العليا 10343/07 – دار النشر صحيفة هآريتس م.ض ضد الوزراء المسؤولين عن السماح بالاطّلاع على المواد الأرشيفية وآخرين

في عام 2007 قدّم الصحفي (جيدي فايتس) مع صحيفته (هآريتس) ومع (نيتاع شوشاني) من كلية (بيتسالئيل) التماسًا ضد قرار اللجنة الوزارية بشأن الاطّلاع على مواد أرشيفية تصنّف في خانة تقييد الاطّلاع عليها. فقد رفضت اللجنة طلبًا مقدّمًا من فايتس وشوشاني الاطّلاع على صور فوتوغرافية ومستندات أخرى مخزنة في أرشيف جيش الدفاع والأجهزة الأمنية تتعلّق بأحداث دير ياسين عام 1948. وقد مضت سنين طويلة على فترة تقييد الاطّلاع على المواد المطلوبة والمحدّدة بخمسين عامًا. ولكن اللجنة الوزارية التي نظرت في الطلب قرّرت تمديد فترة تقييد الاطّلاع على المواد المطلوبة لاعتبارها أن رفع السرية عن هذه المواد من شأنه الإضرار بعلاقات الدولة الخارجية.

وصدر الحكم في الالتماس عام 2010 حيث قرّرت المحكمة بعد النظر في المواد أنّه ما من سبب يستدعي تدخّلها في قرار اللجنة الوزارية وإن أشارت إلى بعض أوجه التقصير في طريقة اتخاذ قرارات اللجنة التي كان أحد أعضائها قد أعلن عن قراره مسبقًا ولم يحضر النقاش. بالإضافة إلى ذلك دعت المحكمة إلى ضرورة التئام اللجنة في أقرب وقت ممكن لبحث مواصلة إبقاء المواد طي الكتمان والسرية وكان يفترض بها أن تنقضي بعد التمديد لها عام 2012. ورغم ذلك ومنذ صدور قرار الحكم إلاّ أن اللجنة الوزارية لم تعقد جلسة واحدة للموافقة على أو رفض إبقاء المواد طي السرية والكتمان.

محكمة العدل العليا خطّ 300

التماس إلى محكمة العدل العليا 3820/11 – جيدي فايتس وآخرين ضد وزارة العدل

في عام 2011 توجّه الصحفي جيدي فايتس إلى النائب العام للدولة بطلب السماح بالاطّلاع على مواد مصنّفة مقيدة الاطّلاع عليها يُحتفظ بها في أرشيف الدولة وتتعلّق بقضية (خط 300) وذلك بهدف إنتاج فيلم حول الموضوع، إلاّ أنه تم ردّ الطلب ليلتمس فايتس وشركاؤه إلى محكمة العدل العليا مطالبين باستلام كافة المواد الأرشيفية الخاصة بهذه القضية، واستمرت جلسات التقاضي بين الطرفين طوال ما يربو على عامين، استلم الملتمسون خلال هذه الفترة جزءًا من المواد التي طلبوا الاطّلاع عليها. كما وطلب فايتس في إطار التماسه أيضًا رفع السرية عن الإفادات التي قدّمها لدى الشرطة رئيسا الوزراء سابقًا (شمعون بيرس) و(اسحاق شامير). وكتب فايتس في وقت لاحق أن “رفع السرية عن كافة مواد التحقيق في هذه القضية ينطوي على أهمية بالغة بالنسبة للبحث التاريخي لأنّه كفيل بتبديد الخرافات الكاذبة التي ارتبطت بها إضافة إلى روايات مخفّفة ترد على ألسنة أبطال القضية حتى يومنا هذا”.

استندت معارضة الدولة لرفع السرية إلى محورين أساسيين: أوّلها فترات تقييد الاطّلاع المحدّدة للمواد، وفي هذا الشأن رأت المحكمة أنّه يمكن تقليص هذه الفترات عبر الآلية التي ينصّ عليها القانون، أمّا التسويغ الثاني فقد كان يتعلّق بعلاقات الدولة الخارجية مدعومًا برأي استشاري من وزارة الخارجية.

وبعد أن نظرت المحكمة في المواد الأرشيفية بحضور طرف واحد قرّرت أنه لا يوجد مبرّر للتدخل في قرار وزارة العدل رفع السرية عن الوثائق، ومن أسباب ذلك حقيقة تسليم مواد عديدة إلى الملتمسين في إطار الإجراءات القضائية.